البابا: كونوا أنتم البشرى السارة لبلدكم!
في إطار زيارته الرسوليّة إلى الكاميرون توّجه قداسة البابا لاوُن الرابع عشر صباح الجمعة إلى دوالا حيث احتفل بالقداس الإلهي في ملعب جابوما وللمناسبة ألقى الأب الاقدس عظة قال فيها إن الإنجيل الذي سمعناه هو كلمة خلاص للبشرية جمعاء. في كل مكان تُعلن اليوم هذه البشرى السارة، التي يتردد صداها في كنيسة الكاميرون كبشارة عناية بمحبة الله وشركتنا.
تابع الأب الأقدس يقول تحدثنا شهادة الرسول يوحنا عن جمع غفير، تماماً كما نحن الآن هنا. ومع ذلك، لا يوجد لكل هؤلاء الناس إلا القليل من الطعام: فقط "خَمسَةُ أَرغِفَةٍ مِن شَعير وسَمَكتان". وإذ يرى يسوع هذا التفاوت الصارخ، يسألنا اليوم كما سأل تلاميذه آنذاك: كيف تحلون هذه المشكلة؟ انظروا إلى هذا الحشد الجائع، المرهق من التعب. ماذا ستفعلون؟
أضاف الحبر الأعظم يقول هذا السؤال موجه لكل واحد منا: موجه للآباء والأمهات الذين يحمون عائلاتهم. موجه لرعاة الكنيسة الذين يسهرون على قطيع الرب. موجه لكل من لديه مسؤولية اجتماعية وسياسية في رعاية الشعب وخيره. يوجه المسيح هذا السؤال للأقوياء والضعفاء، للأغنياء والفقراء، للشباب والمسنين، لأننا جميعاً نجوع بالطريقة نفسها. وهذا الاحتياج يذكرنا بأننا خلائق. نحن بحاجة للأكل لكي نعيش. نحن لسنا الله، ولكن تماماً هنا نسأل: أين الله أمام جوع الناس؟
تابع الأب الأقدس يقول بينما ينتظر يسوع إجاباتنا، يقدم هو إجابته: "فأَخَذَ يسوعُ الأَرغِفَةَ وشَكَر، ثُمَّ فَرَّقَ مِنها على الآكِلين، وفَعَلَ مِثلَ ذلك بالسَّمَكَتَين، على قَدْرِ ما أَرادوا". لقد حُلَّت مشكلة خطيرة عبر مباركة ذلك القليل من الطعام الموجود وتقاسمه مع كل الجائعين. إن تكثير الأرغفة والأسماك يتمُّ عبر المشاركة: ها هي المعجزة! هناك خبز للجميع إذا أُعطي للجميع. هناك خبز للجميع إذا أُخذ لا بيدٍ تقبض وتستولي، بل بيدٍ تعطي وتمنح. لنلاحظ جيداً بادرة يسوع: عندما أخذ ابن الله الخبز والسمك، شكر أولاً. إنه ممتن للآب من أجل خيرٍ يتحول إلى عطيّة وبركة لكل الشعب.
أضاف الحبر الأعظم يقول بهذا الفعل، يفيض الطعام: لا يتم تقنينه كحالة طوارئ، ولا يُسرق بسبب نزاع، ولا يهدره من يُفرط في الأكل أمام من لا يجد ما يقتات به. فبانتقاله من يد المسيح إلى أيدي تلاميذه، يزداد الطعام للجميع، بل ويفضل عنهم. وإذ ذهل الناس مما فعله يسوع، هتفوا: "حَقًا! هذا هوَ النَّبِيُّ الآتي إِلى العالَم"، أي ذاك الذي يتكلم باسم الله، كلمة القدير. وهذا صحيح، لكن يسوع لا يستخدم هذه الكلمات من أجل نجاح شخصي: فهو لا يريد أن يصير ملكاً، لأنه جاء ليخدم بمحبة، لا ليتسلط.
تابع الأب الأقدس يقول إن المعجزة التي صنعها هي علامة على هذه المحبة: فهي تظهر لنا ليس فقط كيف يطعم الله البشرية بخبز الحياة، بل كيف يمكننا نحن أن نحمل هذا الطعام لكل الرجال والنساء الجائعين إلى السلام والحرية والعدالة مثلنا. إن كل لفتة تضامن ومغفرة، وكل مبادرة خير هي لقمة خبز للبشرية المحتاجة إلى الرعاية. ومع ذلك، فإن هذا لا يكفي. فإلى الطعام الذي يغذي الجسد، يجب أن نضيف، بالمحبة نفسها، غذاء الروح الذي يغذي ضميرنا، ويعضدنا في ساعة الخوف المظلمة، وبين ظلمات المعاناة. هذا الطعام هو المسيح، الذي يغذي كنيسته دائماً بوفرة ويقوينا في المسيرة بجسده.
أضاف الحبر الأعظم يقول أيتها الأخوات، أيها الإخوة، إن الإفخارستيا التي نحتفل بها الآن تصبح ينبوعاً لإيمان متجدد، لأن يسوع حاضر في وسطنا. إن هذا السر لا يحيي ذكرى بعيدة في الزمن، بل يحقق "رفقة" تغيرنا لأنها تقدسنا. طوبى للمدعوين إلى عشاء الرب! حول الإفخارستيا، تصبح هذه المائدة نفسها إعلاناً للرجاء في محن التاريخ وفي أشكال الظلم التي نراها من حولنا. تصبح علامة لمحبة الله، الذي يدعونا في المسيح لمشاركة ما نملك، لكي يتضاعف في الأخوَّة الكنسيَّة.
تابع الأب الأقدس يقول إن الرب يعانق السماء والأرض، ويعرف قلوبنا وكل الأوضاع، المفرحة أو الحزينة، التي نمر بها. وإذ صار إنساناً ليخلصنا، أراد أن يشارك البشرية احتياجاتها، بدءاً من الأكثر بساطة واليومية منها. فالجوع إذن لا يكشف فقط عن حاجتنا، وإنما وبشكل خاص عن محبته: لنتذكر ذلك في كل مرة تلتقي فيها نظرتنا بنظرة الأخ أو الأخت الذين يفتقرون إلى الضروري. إن تلك العيون، في الواقع، تكرر لنا السؤال الذي طرحه يسوع على تلاميذه: ماذا تفعلون لكل هؤلاء الناس؟ بالتأكيد، أن نكون شهوداً للمسيح، مقتدين بلفتات محبته، هو أمر ينطوي غالباً على صعوبات وعقبات، سواء في الخارج أو في داخلنا، حيث يمكن للكبرياء أن يفسد القلب. لكن في هذه اللحظات، لنردد مع صاحب المزمور: "الرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي، فمِمَّنْ أَخَافُ؟". وحتى لو تعثرنا أحياناً، فالله يشجعنا دائماً: "ارجُ الرَّبَّ وَتَشَدَّد، وَلْيَتَشَجَّع قَلبُكَ، وَارْجُ الرَّبَّ".
أضاف الحبر الأعظم يقول أيها الشباب الأعزاء، أوجه إليكم بشكل خاص هذه الدعوة، لأنكم الأبناء الأحباء لأرض أفريقيا! كإخوة وأخوات ليسوع، ضاعفوا مواهبكم بالإيمان والمثابرة والصداقة التي تحرككم. كونوا أنتم أولاً الوجوه والأيدي التي تحمل للقريب خبز الحياة: طعام الحكمة والتحرر من كل ما لا يغذينا، بل يشوِّش رغباتنا الصالحة ويسلبنا كرامتنا. حتى في بلدكم الخصب، الكاميرون، يعاني الكثيرون من الفقر، سواء المادي أو الروحي. لا تستسلموا لليأس والإحباط؛ ارفضوا جميع أشكال الظلم والعنف التي تخدع بوعود الربح السهل لكنها تقسي القلب وتجعله عديم الإحساس. لا تنسوا أن شعبكم أغنى من هذه الأرض، لأن كنزه هو قيَمَه: الإيمان، العائلة، الضيافة، والعمل. كونوا إذن رواد المستقبل، متبعين الدعوة التي يمنحها الله لكل واحد، بدون أن تسمحوا بأن تشتريكم إغراءات تبدد الطاقات ولا تخدم تقدم المجتمع.
تابع الأب الأقدس يقول ولكي تجعلوا من روحكم الأبية نبوءة لعالم جديد، اتخذوا مثالاً مما سمعناه في "أعمال الرسل". فالسيحيون الأوائل قدموا شهادة شجاعة للرب يسوع أمام الصعوبات والتهديدات، وثابروا حتى وسط الإهانات. هؤلاء التلاميذ "كانوا لا يَنفكُّونَ كُلَّ يَومٍ في الهَيكلِ وفي البُيوت، يُعلِّمونَ ويُبَشِّرونَ بِأَنَّ يسوعَ هو المسيح"، أي المخلص، محرر العالم. نعم، الرب يحرر من الخطيئة والموت. إن إعلان هذا الإنجيل بثبات هو رسالة كل مسيحي: إنها الرسالة التي أوكلها بشكل خاص إليكم أيها الشباب وإلى كل الكنيسة التي تعيش في الكاميرون. كونوا أنتم البشرى السارة لبلدكم، كما هو، على سبيل المثال، الطوباوي فلوريبرت بوانا تشوي للشعب الكونغولي.
وختم البابا لاوُن الرابع عشر عظته بالقول أيها الإخوة والأخوات، إن التعليم يعني ترك أثر، كما يفعل الفلاح بالمحراث في الحقل، لكي يثمر ما يزرعه. هكذا يغير الإعلان المسيحي تاريخنا، محولاً العقول والقلوب. إن إعلان يسوع القائم من بين الأموات يعني رسم علامات العدالة في أرض متألمة ومظلومة، علامات السلام وسط الصراعات والفساد، علامات الإيمان التي تحررنا من الخرافة واللامبالاة. ومع هذا الإنجيل في قلوبنا، سنشارك بعد قليل الخبز الإفخارستي، الذي يشبعنا للحياة الأبدية. بإيمان فرح، نسأل الرب أن يضاعف عطيّته بيننا، لخير الجميع.
