بحث

المطران فاردن: الأسقف هو صديق العريس ويفرح بمشاركة هذه الصداقة مع الآخرين المطران فاردن: الأسقف هو صديق العريس ويفرح بمشاركة هذه الصداقة مع الآخرين  (ANSA)

المطران فاردن: الأسقف هو صديق العريس ويفرح بمشاركة هذه الصداقة مع الآخرين

في التأملين التاسع والعاشر من الرياضة الروحية السنوية للبابا وأعضاء الكوريا الرومانية، دعوة إلى قداسة الخدمة وحكمة "الاعتبار" في قيادة شعب الله

في إطار الرياضة الروحية السنوية للبابا وأعضاء الكوريا الرومانية، التي تستمر منذ بعد ظهر الأحد ٢٢ شباط فبراير في كابلة القديس بولس بالقصر الرسولي، واصل المطران إريك فاردن، الراهب السيسترسياني وأسقف تروندهايم في النرويج، تقديم تأملاته، متوقفاً في التأملين التاسع والعاشر عند موضوعين متكاملين: ملائكة الله ومفهوم "الاعتبار".

انطلق المطران فاردن من مشهد تجارب المسيح في البرية، كما يرويه إنجيل متى، حيث يقتبس الشيطان المزمور التسعين، مستشهداً بوعد حماية الملائكة، في محاولة لدفع يسوع إلى إلقاء نفسه من جناح الهيكل. غير أن الله – كما شدد الواعظ – هو وحده من يدعو الإنسان إلى "القفز"، ودعوته ليست سقوطاً في الفراغ بل تسليماً في حضنه. وتوقف أسقف تروندهايم عند طبيعة التدخل الملائكي، مبرزاً أنه ليس استجابة لأهوائنا أو طمأنة عاطفية، بل خدمة لقداسة الله فينا. واستعاد صلاة قديمة تُنسب إلى ريجينالدو الكانتربري، معاصر برناردوس دي كليرفو، نطلب فيها من الملاك الحارس أن ينير ويحرس ويرشد ويحكم، في أفعال تعبّر عن سلطة روحية هدفها صون القلب في طريق القداسة.

وأشار المطران فاردن إلى أن التقليد الرهباني وصف الحياة النسكية بأنها "حياة ملائكية"، لأن غايتها التسبيح المتواصل، ولأن الراهب مدعو ليكون متقداً بمحبة الله، حاملاً نوره إلى الآخرين. وفي هذا السياق استعاد ما جاء في دستور المجمع الفاتيكاني الثاني حول الليتورجيا المقدّسة، حيث يُقدَّم تسبيح المسيح كترنيمة واحدة تتردد من الأرض إلى السماء عبر سلسلة حيّة من الوساطة، والملائكة جزء جوهري منها، كما تعلنه كل مقدمة في رتبة القداس.

وتوقف الراهب السيسترسياني عند تعليم القديس برناردوس حول المزمور "الساكن في ستر العلي"، حيث يبرز دور الملائكة كوسطاء لعناية الله. فالله قادر على أن يبلغ الإنسان مباشرة، لكنه يسرّ بأن يجعل خلائقه قنوات نعمة لبعضهم البعض. ومن هنا دعوة برناردوس إلى الاقتداء بالملاك: النزول لإظهار الرحمة للقريب، ثم الارتقاء بالشوق نحو "الحق الأسمى والأزلي". إن كل رغبة بشرية، حتى الجسدية منها، تبلغ كمالها حين تُوجَّه إلى الله. وختم المطران فاردن هذا التأمل بالإشارة إلى ساعة الموت، حين يحمل الملائكة الإنسان عبر حجاب هذا العالم إلى الأبدية. هناك يسقط الزيف وتخبو البلاغة، ولا يبقى إلا الحق في انسجام تام مع الرحمة.

وفي هذا الأفق استعاد المطران إريك فاردن أيضاً شعر جون هنري نيومان، الذي تأمل كثيراً في خدمة الملائكة، ورأى في الكهنوت خدمة ذات طابع ملائكي: حضور شجاع في ظلمات العالم مع عينين مرفوعتين إلى وجه الآب. كما دعا إلى إعادة اكتشاف دور المعلّم كمنير "ملائكي"، في زمن تُفوَّض فيه التربية إلى الوسائط الرقمية، بينما يتوق الشباب إلى لقاء شخصي يمنحهم الحكمة لا المهارات فحسب.

أما في التأمل العاشر، فقد انتقل المطران فاردن إلى مفهوم "الاعتبار" كما عرضه القديس برناردوس في كتابه "De consideratione"، الذي وجّهه إلى تلميذه الراهب الإيطالي برناردوس دي باغانيلي، الذي أصبح لاحقاً البابا أوجينيوس الثالث. وميّز الواعظ بين "التأملات" التي تنظر في الحقائق الثابتة، و"الاعتبار" الذي يسعى إلى تمييز الحق وسط تعقيدات الشؤون البشرية المتغيرة. فالاعتبار هو توتر النفس بكليتها في البحث عن الحق، لا سيما حين يختلط بالوقائع الإدارية والمؤسساتية.

وفي مواجهة تحديات الكنيسة، لا يقترح برناردوس حلولاً تقنية، بل يوصي بأن يُحيط الراعي نفسه بمعاونين صالحين: أمناء، مطيعين، صبورين، راسخين في الإيمان، محبين للوئام، حكماء في المشورة، متواضعين في القول. أناس يتذوقون الصلاة ويجعلون رجاءهم فيها أكثر من اعتمادهم على ذكائهم أو نشاطهم، يدخلون خدمتهم بلا ضجيج ويغادرونها بلا استعراض. فبقدر ما تُدار الكنيسة بهذه الروح، تعكس – بحسب المطران فاردن – تناغم الطغمات الملائكية، ويظهر هدفها الجوهري: إعطاء المجد لله.

ولكي يُنظر في الضرورات الأرضية نظراً صحيحاً، ينبغي البحث من خلالها عما هو أسمى. وهذا ليس هروباً من الواقع، بل "عودة إلى الوطن"، كما يقول برناردوس. فالله هو الإرادة الكلية القدرة، والعقل غير المتغير، والسعادة السامية التي تريد أن تشركنا في حياتها. خلقنا لنشتاق إليه، ويوسّع قلوبنا لنقبله، ويقودنا في العدل ويحفظنا للأبدية.

وفي ختام التأمل، استعاد المطران إريك فاردن صورة الأسقف كما يرسمها برناردوس: رجل مبادئ وقداسة، وصديق "العريس" يفرح بأن يُشرك الآخرين في هذه الصداقة. أما أوغسطينوس فيصف الخدمة الأسقفية بكلمة " Sarcina"، أي عدّة الجندي، عبء قد يبدو ثقيلاً، لكنه يصبح خفيفاً حين يُحمل في شركة "نير المسيح الهين".

27 فبراير 2026, 11:57