بحث

الحروب تحولت إلى نموذج اقتصادي يقوم على استدامة الخوف وعدم الاستقرار  الحروب تحولت إلى نموذج اقتصادي يقوم على استدامة الخوف وعدم الاستقرار   (Gerasimov)

الحروب تحولت إلى نموذج اقتصادي يقوم على استدامة الخوف وعدم الاستقرار

مما لا شك فيه أن الحروب لم تعد مجرد صراعات عسكرية أو أزمات عابرة، بل تحولت إلى نموذج اقتصادي كامل يقوم على استدامة الخوف وعدم الاستقرار. وكلما زادت التوترات العالمية، ارتفعت أرباح قطاعات محددة مثل الصناعات العسكرية، وشركات التكنولوجيا الأمنية، والطاقة والنفط، وحتى الأسواق المالية.

في هذا السياق أجرى موقعنا مقابلة مع الخبير الاقتصادي الإيطالي فيتوريو بيليغرا الذي أكد أن العالم انتقل من مفهوم الردع التقليدي، حيث تتسلح الدول لمنع الحرب، إلى منطق جديد يقوم على الاستباق، أي الاستعداد الدائم لتهديدات قد لا تقع أصلًا. وبهذا أصبحت حالة الخوف المستمر نفسها سلعة اقتصادية تدر أرباحا هائلة.

إن أكبر المستفيدين هم شركات السلاح والدفاع، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، التي شهدت طفرة ضخمة في العقود والأرباح خلال السنوات الأخيرة. كما ازدهرت شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والمراقبة التي تقدم نفسها باعتبارها أدوات لحماية الأمن القومي عبر التنبؤ بالمخاطر ومراقبة التهديدات. لكن المشكلة تكمن في أن هذا النمو لا يخضع دائما للرقابة الديمقراطية، إذ أصبحت شركات التكنولوجيا تؤثر في سياسات الحكومات بدل أن تكون مجرد منفذ لها. كما أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والبيانات جعل السلطة الفعلية بيد من يملك التكنولوجيا، لا بيد المؤسسات السياسية التقليدية.

ويتحدث الخبراء عما يسمى برأسمالية المراقبة، حيث تتحول بيانات الأفراد وحياتهم الخاصة إلى مصدر نفوذ وربح. ومع تصاعد خطاب الأمن، يصبح من السهل تبرير تقليص الخصوصية والحريات الشخصية بحجة حماية المجتمع، هذا ناهيك عن فكرة "الخطر الدائم" التي تسمح للحكومات والشركات بفرض أنظمة مراقبة أوسع، بينما يتراجع النقاش الديمقراطي الحقيقي حول الحدود الأخلاقية لهذه السياسات. ومن البديهي أن الاقتصاد الحربي لا يفيد فقط شركات السلاح، بل يعزز أيضا أرباح شركات النفط والطاقة. فكل أزمة جيوسياسية تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يحقق مكاسب ضخمة للشركات وكبار تجار النفط عالميا، كما تستفيد دول منتجة للطاقة مثل الولايات المتحدة وروسيا والنرويج من اضطراب الأسواق العالمية وارتفاع الطلب على مصادر الطاقة التقليدية.

ويرى الخبراء أن هناك أثمانا ضخمة لا تُقاس بالأرباح المالية فقط، من بينها خسائر بشرية هائلة بسبب الحروب؛ تراجع الحريات والخصوصية؛ انهيار الثقة بين الدول وتفكك العلاقات الدولية؛ تراجع الاستثمار في مجالات التنمية والطاقة النظيفة والسلام، فضلا عن ازدياد الاستقطاب السياسي وتضييق مساحة النقاش العام. ويؤكد بيليغرا أن العالم يعيش اليوم حالة "اضطراب دائم" حيث أصبحت الحرب أو التهديد بها جزءا من النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.

وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة، لا يمكن القول إن الوضع ميؤوس منه، إذ إن الحل يبدأ – بحسب بيليغرا – بتغيير الثقافة السائدة التي جعلت الحديث عن الحرب أمرا طبيعيا، هذا بالإضافة إلى أهمية ممارسة ضغط شعبي أكبر على السياسيين، وتوجيه الاستثمارات والاستهلاك نحو خيارات أكثر أخلاقية وإنسانية. فالسلام، ختم الخبير الاقتصادي يقول، لم يعد مجرد قضية أخلاقية، بل أصبح أيضا معركة ضد نظام اقتصادي يجد في الخوف وعدم الاستقرار مصدرا دائما للربح.

20 مايو 2026, 12:21